شــعاع نيوز
Shuaa News
«شيرين أبو عاقلة»... ملابسات الجريمة أكبر من مجرّد اغتيال!


خاص / شعاع نيوز


بقلم: براء سمير إبراهيم



الحادي عشر من أيار عام 2022، تاريخٌ لن ينساه الفلسطينيون ولن يُمحى من ذاكرة الصحافة العربية، ففي هذا اليوم اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي مراسلة قناة الجزيرة في الأراضي المحتلة "شيرين أبو عاقلة" أثناء تغطيتها الميدانية لاقتحام قوات الاحتلال مخيم جنين الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة. 

 

الحزن والألم لم يكن هو الوحيد المسيطر على المشهد، بل أن الاتهامات المتبادلة والإنكار الإسرائيلي لجريمة الاغتيال والدعوات المتواصلة لمقاطعة الضيوف الإسرائيليين ومنعهم من الظهور مجدداً عبر شاشة الجزيرة، كانت من ضمن المعطيات والنتائج الهامة التي أفرزها استشهاد الصحيفة أبو عاقلة صباح يوم الأربعاء، برصاصةٍ قناصةٍ غادرة أصابت أسفل رأسها بالقرب من أذنها، رغم ارتداء المراسلة للخوذة والزي الصحفي الواقي من الرصاص. 

 

 رصاصةٌ تقسم ظهر الاحتلال 

 

إذا ما نظرنا إلى عملية اغتيال الشهيدة "شيرين أبو عاقلة" بشكل مجرد، نجد أن الاحتلال الإسرائيلي لم يحقق أي مكاسب أو فوائد من جراء فعلته الإجرامية هذه، بل على العكس تماماً أدى استشهاد أبو عاقلة إلى عواقب لم تريدها "إسرائيل" يوماً :

_ العملية أعادت القضية الفلسطينية التي عملت "إسرائيل" على طمس ملامحها منذ سنوات عدة إلى الواجهة السياسية والشعبية العربية والإسلامية مجدداً وبقوة. 

 

_ الاغتيال وحّد الرأي العالم الفلسطيني والعربي وحتى العالمي ضد جرائم الاحتلال الصهيوني. 

 

_ استشهاد أبو عاقلة وضع كل من السلطة الفلسطينية برئاسة "محمود عباس" والحكومة القطرية وقناة الجزيرة في موقف محرج وصعب بعد أن كانت هذه الجهات تتعامل مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وتتخذ مواقف مقاربة له في كثير من الأحيان. 

 

بالإضافة إلى كل ذلك فإن اغتيال شيرين لا يعني إطلاقاً أنه سيؤدي إلى إسكات صوت الحق والصحافة الحرة، فهناك عشرات الصحفيين العرب الذي ينقلون تجاوزات الاحتلال وجرائمه في الأراضي المحتلة يومياً في عدد كبير من الصحف والمجلات والإذاعات والفصائيات والمواقع الإلكترونية أيضاً. 

 

وهنا يتساءل أحدهم لماذا أقدمت قوات الاحتلال على هذه الجريمة النكراء إذاً؟ 

إذا ما أشرنا إلى أن شيرين كانت على مدار اكثر من عشرين عاماً وخلال عملها كمراسلة في قناة الجزيرة بفلسطين المحتلة، وطوال هذه السنوات كانت تجري تغطيات وتقارير في أماكن أكثر خطورة من المكان الذي اُستشهدت فيه الأربعاء، حتى أنها وقفت أمام عناصر جيش الاحتلال على مقربة سنتيمترات محدودة أكثر من مرة ولم يجري استهدافها أو قتلها فلماذا اُغتيلت الآن! 

 

_بعد مضي يوم واحد فقط على اغتيال الإعلامية الشهيدة "شيرين أبو عاقلة"، أعلنت لجنة التخطيط العليا للإدارة المدنية الإسرائيلية الخميس، موافقتها على بناء 4427 وحدة سكنية استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، ولذلك يمكننا القول أن اغتيال الصحفية المعروفة والمؤثرة والمشهورة على نطاق واسع في الداخل الفلسطيني المحتل وفي جميع الدول العربية، هدفه حجب الأنظار عن ممارسات الاحتلال الاستيطانية وجرائمه المرتكبة بحق الفلسطينيين في الضفة وانتهاكاته المتكررة لحرمة الأقصى المبارك. 

 

_إعادة إنتاج التطرف وزرع بذور الطائفية ما بين المسلمين والمسيحيين، عقب ما شهدت مواقع التواصل الاجتماعي دعوات إلى عدم "الترحم" على الصحفية "شيرين أبو عاقلة" كونها تنتمي إلى الديانة المسيحية، ولا شك أن الإسرائيليين الصهيانة هم المستفيدون الوحيدون من إشعال نار الفتنة الدينية، ليشكل ذلك إشغالاً عن محاربة العدو الإسرائيلي وتنفيذاً لمشروع الشرق الأوسط الجديد القائم على تقسيم المنطقة مذهبياً وعرقياً. 

 

_الاغتيال جاء عقب موجات التطبيع الواسعة التي شهدتها الساحة العربية في الفترة الأخيرة مع العدو الإسرائيلي، أي في الوقت الذي تحاول فيه "إسرائيل" استمالة الشعوب والحكومات العربية إلى جانبها لضم مزيدٍ من الدول إلى قافلة التطبيع، وإذا ما أشرنا إلى أن الإسرائيليين لديهم من الخبث والذكاء ما يكفي لتوقع حملة التضامن والاستنكار الواسعة التي ستنتج عن عملية الاغتيال بحق الصحفية الفلسطينية ذات القاعدة الجماهيرية الواسعة على امتداد الوطن العربي. 

 

فإنه لا يستبعد أن يكون السبب وراء عملية الاغتيال هو إحداث موجة عارمة من الغضب الشعبي العربي ثم إخراج "إسرائيل" من تلك الورطة مثل الشعرة من العجين كما يقول المثل، وتبرئتها من مسؤولية اغتيال المراسلة شيرين أبو عاقلة، ومن ثم تنصيع وتبييض صورتها الدموية أمام الرأي العام العربي والعالمي لينظروا إليها على أنها صديقة للعرب وتسعى نحو نشر المحبة والسلام وحماية حرية الرأي والتعبير، وبالتالي محاولة صنع قاعدة شعبية لها في العالم العربي وتحفيز دول جديدة على الانخراط باتفاقيات تطبيع معها، خاصةً في ظل الدعوات الإسرائيلية لإجراء تحقيق "شفاف وشامل" حول ملابسات الجريمة.

 

إذ يبدو كما هو واضحاً أن الإسرائيليين يعملون بجهدٍ وسعي على تحويل موجات الغضب والاستنكار والتنديد نحو الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية. 

 

وفي هذا السياق رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت" الاتهام الموجه لجيش الاحتلال حول مسؤوليته عن اغتيال أبو عاقلة، وأكد أن المعطيات الأولية المتوافرة لدى الإسرائيليين تشير إلى تورط مسلحين فلسطينيين بمقتل الصحفية على حد زعمه، كذلك فإن المتحدث الرسمي الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي "افيخاي أدرعي" قال في بيان نشره على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك :

"تشير التقديرات الأولية وخلافًا لما ينشر في وسائل الاعلام العربية أن مراسلة الجزيرة #شيرين_أبو_عاقلة قتلت صباح اليوم نتيجة نيران مسلحين فلسطينيين في مخيم جنين اثناء تغطيتها الاخبارية".

 

مضيفاً :

"نعبر عن فائق أسفنا على وفاة الصحفية التي كنا نعمل معها على مدار السنوات ونرى أهمية كبيرة في حرية الصحافة ونعمل على احترامها وصونها".

_اللافت أن الشهيدة "شيرين أبو عاقلة" كانت تعمل لدى قناة الجزيرة القطرية، التي كانت أول محطة فضائية عربية على الإطلاق تستقبل ضيوفاً إسرائيليين على شاشتها، كما أنها من القنوات التلفزيونية التي لعبت دوراً كبيراً خلال ثورات الربيع العربي، خدمت من خلاله المصالح والمؤامرات الصهيو_أمريكية المحاكة ضد المنطقة. 

وإذا ما أشرنا إلى أن الإسرائيليين يعولون على دور قناة الجزيرة بشكل كبير من أجل الترويج للتطبيع، وإذا ما أشرنا كذلك إلى أن المؤشرات الإحصائية تدل على انخفاض نسبة المتابعة والمشاهدة لهذه القناة مقارنة بالسنوات الماضية، لذلك قد لا نكون بعيدين عن الحقيقة إذا ما قلنا أن اغتيال موظفة الجزيرة "شيرين أبو عاقلة"، هدفه إعادة زخم المتابعة الجماهيرية للجزيرة من جديد لاسيما وأنها من أكثر القنوات العربية استضافةً لإسرائيليين، بالإضافة إلى أن هذه الحادثة المتعلقة بقناة الجزيرة تتصل بالواقع العربي والقضية العربية، وهذا من شأنه أن يجعل المشاهد العربي يثق بهذه القناة ومضامينها بعد أن ضحّت بأحد أفراد طاقمها الصحفي في سبيل الدفاع عن القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية. 

 

خطأ غير محسوب

 

الحراك الإسرائيلي السياسي والاعلامي عقب استشهاد أبو عاقلة وصِف بأنه استثنائي وغير مسبوق لحالات مماثلة لما حصل مع صحفية قناة الجزيرة، وسواء كان الاغتيال متعمد ومقصود بقرار عسكري إسرائيلي رسمي مسبق، أم أنه تصرف فردي من جندي طائش، فإن المؤكد أن الأمر لن يمر مرور الكرام وأن تل أبيب ستعمل كل ما في وسعها لتظهر برائتها الخادعة من هذه الجريمة. 

ولكن كيف؟ 

لهذا السؤال ثلاثة إجابات محتملة نوردها على الشكل الآتي :

_ تشكيل لجنة تحقيق دولية في الحادثة تظهر في نهاية المطاف أن المسؤولين عن الاغتيال هم مسلحون فلسطينيون، على اعتبار أن كافة المنظمات العالمية تديرها بشكل أو بآخر الولايات المتحدة الأمريكية حليفة "إسرائيل" الأولى، أو أن تتوصل تلك اللجان القضائية والتحقيقية إلى أن الفاعل مجهول الهوية نظراً لأن منطقة الحادث كانت منطقة عمليات عسكرية ومواجهات متبادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مما يصعب معه تحديد المسؤول الحقيقي عن اغتيال الصحفية "شيرين أبو عاقلة" . 

_ إعلان سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنصلها من الجريمة بالكامل، لعدم وجود أدلة وثبوتيات كافة لاتهامها وإدانتها نظراً لأن القاتل لم يكن مكشوف الهوية بشكل واضح. 

_ إعلان تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن اغتيال الصحفية أبو عاقلة، نظراً لكونها مسيحية وكما نعلم أن المسيحين يعدون ضمن قائمة المستهدفين الرئيسيين لدى التنظيم الجهادي المتطرف، وهذا الأمر غير مستبعد إطلاقاً، خاصةً وأن داعش كان قد أعلن مسؤوليته خلال شهر آذار الماضي عن مقتل عنصرين من الشرطة الإسرائيلية "اليهودية"، من خلال إطلاق النار عليهم في مدينة الخضيرة شمال فلسطين المحتلة، كذلك فأنه سبق ل"إسرائيل" أن تعاونت علناً مع داعش، فخلال العام 2017 أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجوم في القدس أسفر عن مقتل شرطية إسرائيلية، وهو الأمر الذي نفته حركة المقاومة الفلسطينية "حماس" وقالت حينها أن العملية نفذها "مقاومان من الجبهة الشعبية وثالث من حركة حماس"، وأن بيان تنظيم داعش الذي أصدره حول اعلان مسؤوليته عن الاستهداف هو محاولة إسرائيلية "لخلط الأوراق". 

 

بايدن والخيارات المحدودة

 

وفي الختام لا بد من القول أن إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" هي الأخرى لا تُحسد على الموقف الذي وُضعت فيه عقب عملية الاغتيال للأسباب الآتية :

_إن الصحفية "شيرين أبو عاقلة" تحمل الجنسية الأمريكية إلى جانب جنسيتها الفلسطينية.

_إنّ إدارة بايدن لطالما حاولت الظهور بمظهر المدافع عن حقوق الإنسان وحرية الصحافة. 

_إدارة بايدن لطالما عملت خلال حملتها الانتخابية على اتخاذ موقف معتدل ما بين الفلسطينين والإسرائيليين، وفضلت عدم الانحياز للجانب الإسرائيلي كما فعل ترامب سابقاً. 

ويبقى السؤال الآن:

هل ستكون الدعوى القضائية التي ستتقدم بها فلسطين في المحاكم الجنائية الدولية ضد جريمة الاحتلال الإسرائيلي، والدعوات التي أطلقها المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية "نيد برايس" لمحاسبة المسؤولين عن اغتيال "شيرين أبو عاقلة"، هي المحطة الأخيرة في رحلة التطبيع مع "إسرائيل" والملف الأخير في مجال التراخي الدولي مع جرائمها بحق الإنسانية؟


المادة خاضعة لقانون النشر @2020 وأي نسخ أو لصق دون ذكر المصدر سيعرضك قطعاً للملاحقة القانونية


 


المشاهدات 204
تاريخ الإضافة 2022/05/13 - 3:19 PM
آخر تحديث 2022/05/18 - 5:37 AM
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1948 الشهر 65535 الكلي 1983873
الوقت الآن
الأربعاء 2022/5/18 توقيت دمشق
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير