شــعاع نيوز
Shuaa News
أعظم الأمهات
1829.mp4 | 86.48 MB |


شعاع/ خاص

اعداد : خديجة شحادة

 

 

وجه نحتَ عليه الزمانُ زخارفَ تحكي صبر سنوات من الأسى والتحمل . زخارفٌ لاقت مكانها حول أعينٍ بكت فراق أبنائها، راسمةً خطوطاً حول مبسمٍ تبسم رغم مرور حرب وفقرٍ وقلة ، لتستقيم على جبهةٍ بقيت ساجدة داعية لحياة أفضل، وصبرٍ أطول، شاكرةً لنعمةٍ حاضرة، متمنيةً بقائها. جبهةٌ لامست عرقَ جهد بُذل لعجن رغيف خبزٍ في زمنٍ بات فيه الوصول إلى القمر أسهل .

إنها المرأة السورية التي لو سُجلت كل الأيام بإسمها، ولو زادت الأيام أياماً لما أوفتها حقها، المجاهدة الصامتة، العاملة ٢٤ ساعة متواصلة دون إجازة أو عذر، المتوفرة في كل وقت، المدبرة احتياجات بيتها، رغم قلة المردود، وعلى حساب نفسها، صاحبة الأيدي الخشنة التي لم تعرف المرطبات، لأن سعر شرائها أولى أن يكون لطفلها، الصابرة على الوجع، المتألمة بصمت، "امرأة صنعت المعجزات".

"أم أحمد" امرأة بألف رجل، عاشت مرارة الحصار في قريتها، داخل منزلها الواقع على أطرافها، ضمن مكان نسبة وقوع القذيفة عليه أعلى من أي مكانٍ آخر في البلدة، لديها خمسة أطفال، ثانيهم "أحمد" من ذوي الاحتياجات الخاصة، لا يستطيع الحركة أو الأكل إلا بمساعدتها، زوجها غائب، استشهد وهو في محرسه بطلقة قناص اخترقت صدره، وهشمت قلبها. قلبها الذي حمل الخوف والحزن واليأس والتعب، تجلس أمام منزلها تتأمل السماء، تسأل نفسها كيف سأطعم أطفالي اليوم؟ ماذا أفعل؟ ، أين أتوجه؟ إلى من ألجأ؟ لتنهمر دموع العجز عن الإجابة، إنها ثوانٍ، تمسح دموعها، تستجمع قواها، وتبدأ معركتها اليومية، تخرج من المنزل لا تعود إلا وهي حاملة شيئاً يسند معدة أولادها، تعود منهكة من شعور الخوف الذي رافقها، الخوف من عودتها فارغة اليدين، من رؤية خيبة الأمل في عيون أولادها، وهنا يبدأ الجزء الثاني من المعركة، تخرج الحطب المقطع بعزم أنثى، وتستخدمه لإشعال النار، إنها أعمالٌ تتطلب الكثير من الجهد والقوة الجسدية، مع ذلك لا تأبه، إنها فقط تفكر بتحضير ما يؤكل.

حل المساء، إنها الليلة المكروهة، القصف بدأ، هي وأولادها في خطر، وإن اشتد الضرب كيف يمكنها الهروب وطفلها الثاني قد بات ثقيلا، ونقله ليس بالأمر السهل، إنها لحظة العجز، ابنتها الكبرى تنظر إلى أمها ترى الخوف المخبأ في عينيها، تنطق بلسان يتصنع القوة "أمي لا تخافي سأساعدك بقدر استطاعتي، سنخرج من محنتنا بقوة، فأنا ابنة أمي، التي رغم حصار دام لأشهر ما زالت صامدة، ورغم مرور ليالٍ كهذه حافظت على أرواحنا"، إنها ابنة ال ١٧ عشر عاماً، تنظر الأم إلى طفلتها تحدث نفسها " ما ذنبك يا عزيزتي أن تحملي كل هذا الهم في هذا العمر الصغير"، صوت قذيفة قريب جداً يقطع حديثها،" الآن يجب أن نخرج"، هكذا صرخت الأم، حملت وابنتها "أحمد" بدؤوا بالخروج من المنزل هي وأطفالها متوجهين إلى الملاجئ المعدة لمثل هذه الأَوقات، إنه يومٌ واحد من أيامٍ أقسى وأصعب وأخطر.

 

قصص كثيرة حدثت خلال هذه الحرب كانت أبطالها نساء، لم يعرفهن أحد، اختبأن خلف حصارٍ ذقن فيه الأوجاع، فكيف لنا أن نصف اللحظات التي انوجدت فيها داخل بيتٍ دون سندٍ مع أطفالها بعد خروج زوجها للجبهة دون ورود أي خبرٍ عنه منذ أشهر، و ضجيج ضرب القذائف والرصاص الناجم عن الاشتباكات يغزو المنطقة، مع توقعها في أي لحظة وجود أشخاصٍ داخل منزلها لا تعرف عنهم شيئاً سوى نيتهم قتل أطفالها، كل ذلك الخوف تخبئه داخل قلبها، راسمةً ابتسامة على وجهها لطمأنة أولادها، وعند انقضاء هذا الوقت المرعب، يبدأ ضجيج الجوع، لتخرج وتبحث وتعمل لتأمين لقمة لأطفالها دونها، فيأتي البرد ليهلك تفكيرها فلا وسيلة لتأمين الدفء لمنزلها إن كان موجوداً، فمن الممكن أن تكون قد عاشت ذلك داخل خيمة، فالتهجير سيد الموقف في الحرب. مشاهد عاشتها محاولةً خمد حواسها فلا وقت للحزن أو العتاب أوالضعف، فهذه معادلة تشمل أطفالها، إما حياة أو موت، امرأة لم يعرفها أحد، فهي لم تعرف انستغراماً تعرض عليه جمالها، ولم تدعَ لأية ندوة بمناسبة يوم المرأة العالمي لتتحدث عن حقوقها، ولم تنشر منشوراً بهذه المناسبة تتكلم فيه عن أنك جميلة أينما كنت، ولم تعرض طبخاتها المكونة من سلع تساوي مصروف أسبوع لعائلة، ولم تقرأ منشوراً لأحدٍ حتى، لأنها غارقة في عالم العطاء، البعيد عن المظاهر والتنظير بالكلام، فلا كلام لديها بل أفعال، إنهن بطلات العالم الحقيقيات.

المادة محمية وفق قانون النشر @2020 وأي نسخ أو لصق دون ذكر المصدر قد يعرضك للملاحقة القانونية


المشاهدات 867
تاريخ الإضافة 2021/03/10 - 8:32 PM
آخر تحديث 2021/11/28 - 8:45 PM
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 569 الشهر 65535 الكلي 608800
الوقت الآن
الإثنين 2021/11/29 توقيت دمشق
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير