شــعاع نيوز
Shuaa News
شمعة حزيران


شعاع/ خاص

بقلم : زهراء دادش


لسماع المقال بالصوت اضغط هنا


ينام البدر في وجهه والحسن يَلقى في وجناته موطن تَأّمَل عيونَه.. إنها أبواب السماء.. فإذا ما قلبّت ملامحه سيدّلك البهاء على صفات الشهداء

محمد.. طفل في الثالثة عشرَ ربيعاً، من بلدة الفوعة، عرف بنشاطه وذكائه وتفوقه.. وبقلبه الحاضر دائماً

تجده في كل مكان وفي كل نشاط يقام في البلدة، معروف لدى الجميع ومحبوب من الجميع.

لديه صوت جميل وعذب، لا يخلو أي مجلس يحضره من موال أو نشيد

فتطرب تارة وتبكي تارة..

والداه يرون فيه ما لا يروه بسائر الأطفال.. محمد الذي يصلي فروضه الخمس، محمد الذي يصوم، محمد الذي يختار في المجلس الحسيني الصف الأول لكي يجلس، يستمع لتفاصيل ثورة الإمام الحسين، ويهتدي بكل القصص والمآثر المذكورة .

يلبس سترته السوداء، ويعقد شريطة على جبينه، محمد الذي يغطي وجهه ويبكي الإمام وأهل بيته.

ينهض في ختام المجلس يوزع الماء ويقف لاطماً صدره وهو يردد لبيك يا حسين.


قصص أخرى للكاتب:

- عروسة التهجير

-  رحلة الموت

- مذكرات فتاة الحصار

- شمعة حزيران

- مذكرات ريم


في ظل الحصار الذي فرض على الفوعة كان محمد سنداً لعائلته يقطع طريق بيته على دراجته الهوائية ويلبي احتياجات والده...كان بيته ملاصقاً للحدود بين الفوعة المحاصرة ومدينة بنش التي يتربص بها المسلحون للقصف والقنص باتجاه القرية.

هناك في تلك الأرض المنكوبة كنا نقرأ الفاتحة على أرواحنا في كل دقيقة قبل أن ننام وعندما نستيقظ قبل أن نخرج وعندما نعود.

محمد الصائم خرج قبل الإفطار بساعات قليلة كان مستعجلاً جداً سأل والدته عن الساعة مراراً ويقول لها أمي تأخرت عن التدريب.

 تقول والدته لا إنها الخامسة، لديك وقت كاف لتذهب للملعب وتتدرب وتعود قبل أذان المغرب.

انتظر محمد بتململ ثم وقف عند باب البيت أعاد جملته مرتين "أمي أنا ذاهب" فردت عليه "الله معك".

وكان الله معه.. ماهي إلا ساعة حتى جاء النبأ.

طلقة قناص اخترقت جسده وهو في طريقه للملعب، وقع عن دراجته الهوائية وأخذ يستنجد بصيحات عالية حتى سمعه بعض السكان في البيوت المجاورة وأسعفوه.

كانت حالته حرجة ،احتاج لعملية جراحية، وبسبب الحصار المفروض على الفوعة كانت الخدمات الصحية قليلة جداً وشبه معدومة .

لا طبيب أخصائي لا مواد مخدرة لا أوكسجين ولا معدات.. مما أضعف فرصته في النجاة.. وراح محمد شهيداً صائماً في أرض ما أشبهها بكربلاء.

جاؤوا بدراجته وحدها للبيت وعليها بعض قطرات من دمائه.

كان البيت ممتلئاً بالناس ممن قدموا يواسون والدته وأخوته.

البكاء والنحيب في كل مكان بأرجاء المنزل هذي الديار فقدت طفلها.

هنا أرجوحته الساكنة

 بندقيته التي صنعها يدوياً مرمية على التراب

وكلبه الذي كان يربيه خرج من بيته وبدأ يلتف ويدور حول الدراجة الهوائية ينبح بشدة ويشمّها.

تعالى البكاء.. كل شيء بكى .. كل شيء بكى.

في ذكرى أربعينه جاء قرار إخلاء الفوعة من أهلها.

ذهبت العائلة كلها للمقبرة لتوديع محمد وإذا بالكلب يلحقهم وحده وجلس قربهم بجانب القبر.

كانت أمه تقلب التراب فوق ضريحه وتقول سامحني يا ولدي ستبقى هنا وحيداً، سيخرجوننا من أرضنا ويرحلّوننّا عن الفوعة..

سامحني يا طفلي سامحني يا شهيدي ما بيدي حيلة.

سأتركك هنا يا قطعة من قلبي.

بعد أن تلت آيات من القرآن عبئت في عبوة صغيرة حفنات من التراب، وهمّوا بالخروج..

 وأصوات البكاء ترحل مع أصحابها وتختفي شيئاً فشيئاً من جانب القبر، وبقي الكلب يدور بجانبه ويلتف.

حين جاءت الحافلات التي تقلهم خارج الفوعة لحق الكلب بهم إلى نقطة التجمع.. هم ركبوا الحافلة والكلب يركض بقربها وينبح، الحافلة تسير وتسير.. عيونهم للوراء تعانق كل شيء، وهكذا حتى اختفت معالم القرية.

 

المقال محمي بقانون النشر @2020 وأي نسخ أو لصق دون ذكر المصدر قد يعرضك للملاحقة القانونية


المشاهدات 994
تاريخ الإضافة 2021/02/16 - 8:27 PM
آخر تحديث 2021/11/28 - 8:42 PM
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 470 الشهر 65535 الكلي 608701
الوقت الآن
الإثنين 2021/11/29 توقيت دمشق
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير