شــعاع نيوز
Shuaa News
يومٌ سوري بامتياز .. مناضلون صامتون


شعاع / خاص 

 

بقلم : خديجة شحادة

 

 

يستيقظ المرء في الصباح وأمامه 15 ساعة يقتلها قبل أن يتمكن من العودة إلى النوم، 15 ساعة يقضيها يومياً حاملاً معه جراح وطنه وعثراته وصراعه الداخلي، والخارجي، فجميعنا يعلم أن المدينة اليوم تعاني من التبعات الخطيرة للأزمة السورية المستمرة منذ 2011، ومن العقوبات الاقتصادية التي تكاد تخنق سكان هذه المدينة، وباتوا يعانون من مشكلات عدة تترافق مع تفاصيل يومهم.

 

تقول "لما" ذات الـ 21 ربيعاً، "الذهاب إلى الجامعة لحضور محاضرة واحدة يستغرق ثلاث أضعاف وقتها"، وعند سؤالها عن السبب قالت إنها "المواصلات" و أكملت متنهدة إنني "استيقظ صباح كل يوم في الخامسة، لحضور محاضرة الثامنة صباحاً، أتجهز، وأستعد لمعركتي، وأخرج في السادسة إلى موقف الباصات، في هذا الوقت، عليك التركيز والاستعداد، يجب أن تضع حقيبتك أمامك، وأن تغلق سترتك تفادياً لأن تعرقلك أثناء معركتك لدخول الميكرو باص، وإن كنت فتاة عليك بتثبيت حجابك أو عدم ترك شعرك مفروداً فهذا سيقلل من احتمال فوزك، وعند قدوم الميكروباص عليك بالهرولة والسرعة، لتكون من المحظوظين الواصلين إليه أولاً، ولا تهتم للتدافع، ركز على هدفك وستصل إليه، وستأتي لحظة السعادة عندما تحصل على مكانٍ لك وتضمن وصولك، وتجلس أمام الشباك ستبتسم ابتسامة النصر وتنظر للذين ما زالوا ينتظرون وتقول " الله يكون معكن"، ولكن لم تنتهي بعد فهناك معركة أخرى مشابهة لهذه بانتظارك"، تحدثت "لما" عن مشكلة المواصلات ووصف الحال بطريقتها، فمنذ زمن ليس بالقصير تحولت مشكلة المواطنين مع وسائط النقل على خطوط المواصلات في شوارع دمشق وبين أحيائها، والتخديم مع ريفها القريب والبعيد، من صعوبة إلى عبء إلى معاناة إلى أزمة حقيقية، حيث لم تعد هناك مفردة تعبر تماماً عن جوهر ما يعانيه المواطنون بمختلف شرائحهم يومياً من هذه المعضلة، في أثناء وصول "لما" لجامعتها كان أبو أحمد يقف على دور البنزين لمدة ساعتين، عليه بالإنتظار ساعة أخرى وسيأتي دوره، يقول "أبو أحمد" إنه اعتاد الانتظار وبات يجلب معه زاده وبعض التسالي لتمضية وقته، واصفاً حاله كما غيره من المنتظرين أمام هذه الكازية وهو يضحك "صح مننتظر كتير بس بالأخير وقت نصل مننبسط، ونحنا ع قولة الدولة لازم نشوف النص المليان يعني لو ما انتظرنا ما كنا رح نفرح هالقد بالبنزين ومتل ما قال الوزير نحنا من حالتنا النفسية عم نعمل زحمة"،

فأزمة البنزين في سورية تحتل الصدارة، وطوابير السيارات تتجمع بكثافة أمام الكازيات للحصول على مادة البنزين، في وقت انتهاء "أبو أحمد" من دوره، كان "حسن" يقف للحصول على أسطوانة الغاز بعد وصول رسالة تدعوه لاستلامها مساء الأمس، ودور الغاز كدور البنزين يحتاج الكثير من الوقت، يقول "حسن" لا شيء يصل بتلك السهولة ولن تحصل على شيء بسهولة إنك في بلدٍ أنهكته الحرب ، هنا كل احتياجاتك اليومية تأخذ الكثير من الوقت والجهد لتتوفر لديك"، أما "عامر" فقد كان مستاء جداً وهو يقف على طابور الخبز بعد أن شاهد رجلاً يعتدي على طفل بالضرب ليأخذ دوره، دون أن يستطيع أحد من الحاضرين الدفاع عنه، يصف عامر الموقف "لقد انتظر الطفل قرابة الساعة ونصف ليأتي شخص بتلك السهولة ويأخذ مكانه، إننا هنا ننتظر كثيراً ونحصل في النهاية على خبز سيء"، لكن هل سيكون أسوأ من حظ سارة التي استعدت للخروج في موعدها الأول مع خطيبها؟، فبعد أن استعدت وتأنقت، وأخذت حذرها من بحيرات الطين كي لا تتسخ ملابسها، تأتي سيارة لتقلب المشهد رأساً على عقب، برك المياه تملأ الطرقات، وتتحول شتاء إلى أفخاخ للمارة مع مرور فتية يقودون سيارات ذويهم بشكل أرعن، لذا ما كان لسارة إلا أن تلغي موعدها مع خطيبها وتقفل عائدة لتبديل ملابسها..

وعلى بعد شارع من مكان وقوف سارة، يحاول "أبو محمد" ايجاد طريقة لوقف دخول مياه الأمطار إلى منزله من السقف المتشقق، الرجل الخمسيني لا يملك المال الكافي لاصلاح السقف المتشقق، بل يسعى لتجميع عدد من الأواني ليضعها مكان نقط المياه المتساقطة من السقف، وعند اقترابك من منزله، قد تسمع صوته وهو ينادي: "يا محمد تعال بدل السطل قبل ما يكب لإنو تعبى"، لتكون "سيمفونية التنقيطِ" لحناً آخر يرافق آلام المواطن السوري على مدى العام. المردود الشهري لا يتناسب مع أعطال واحتياجات العائلة، وغلاء الأسعار يلتهم جهد شهرٍ كامل على توفير الطعام فقط، طبعاً الطعام الخالي من اللحوم، فهاذا بات يعد تبذيراً في وقتنا الحالي، دون ذكر احتياجات المدرسة، واللباس، والتنزه الذي يعتبر من حقوق الطفل وأعطال الأجهزة الكهربائية التي تنتج عن ارتفاع مفاجئ في التيار الكهربائي الغائب لساعات والذي قد يأتي بلا سابق إنذار، فيضرب ضربته على ما بقي من تجهيزات أسر الحرب هنا.

 

 

مشاهد كثيرة وإرباكات أكثر تصيب المواطن والتي تتضح وتتبلور مع كل شتاء، ندخله بلا خطط ولا تحضيرات، شوارع معتمة ومحفرة وسيارات تسير بلا رقابة ووسائط نقل بالية وباتت نادرة فيما تركت الأسعار تحلق وحدها وبقي المواطن يبحث عن عقار يأويه وأسرته وذويه، لكنه في كثير من الأحيان يتعثر بجشع أصحاب العقارات التي تفوق كل التوقعات، ناهيك عن أسعار الطبابة وقلة الرقابة وكثرة الحديث عن أطباء يجربون ما تعلموه في المواطن من تغيير "راشيتة الدواء" إلى أخرى قد تقود إلى البلاء.. غيض من فيض بعد حرب دمرت النفوس وغيرت الضمائر حتى بت في الخروج منها بعاثر .. كيف لا وقد بتنا نقارن واقعنا بماضينا فيما تباهي الأمم بمستقبل دولها وشعوبها؟!

 

المقال خاص بشعاع نيوز وأي نسخ أو لصق دون ذكر    المصدر سيعرضك للملاحقة القانونية


المشاهدات 1903
تاريخ الإضافة 2021/02/08 - 7:28 PM
آخر تحديث 2021/10/23 - 10:31 AM
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1277 الشهر 54977 الكلي 517839
الوقت الآن
السبت 2021/10/23 توقيت دمشق
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير