شــعاع نيوز
Shuaa News
رحلة الموت


شعاع/ خاص

بقلم: زهراء دادش


 

رتبت حقيبتي الصغيرة.. وضعت دميتي المحببة ورسائل الرفاق، ودفتر الذكريات وعلبة صغيرة فيها زهر عتيق جمعته في موسم الربيع..  
أوراق ثبوتية للمدرسة، وصور من الماضي الجميل. 
لا ثياب أحبها.. كلها مهترئة بعد سنتين من الحصار. 
لن أحتاج إلا معطف المعونة الشتوي ووشاح الصوف ليحميني من البرد
 كم ستطول الرحلة يا ترى؟!..  
أصوات كثيرة ارتفعت في الخارج.. الحافلات الخضر بدأت بالتوافد إلى داخل الفوعة.. 
كأنه يوم العيد.. 
سوف نخرج من الفوعة وكفريا في ريف إدلب بعد سنوات من الحصار والحرمان، باتفاقية تبادل مع المسلحين في ريف دمشق بمدينتي الزبداني ومضايا. 
وقفت أتأمّل الحافلات الخضر، وقد تكوم الجميع حولها .. 
أفكر كيف يتعلّق مصير الإنسان بكرسي في حافلة.. كسفينة نوح تحمل الناجين من الموت.  
في اليوم التالي تسابق الأهالي لمكان التجمّع .. غصّت الحافلات بالأطفال والنساء.. 
تلك التي تهرول سعيّاً بنجاة أطفالها و أخرى تبكي زوجها الذي سيبقى في القرية مع بقية الشباب ممن لم تشملهم بنود الاتفاقية. 
المقابر لا زالت ممتلئة.. أمهات الشهداء يتشبّعن من الوداع الأخير.
 لا عودة بعد اليوم .. سيجفّ تراب القبر ولا ساقٍ هنا يسقي.. 
آباء يحضنون أطفالهم ، وأمهات يقبّلن أكتاف شبابهم، وتوصيات ودعاء وبكاء طويل .. 
عيون حيرى .. وقلوب تتلظّى قهراً و حسرى. 
ملامحهم أكلها الخوف، أجسادهم تكتلّت على بعضها في الحافلات وقلوبهم على الأرصفة تودُّ لو تعود للديار 
وانطلقت القافلة .. 
 يا رحلة المجهول يا رحلتنا..!! 
نضع أيدينا على قلوبنا لنكتم ضجيج النبض ..
 لا نريد لشيء أن يكسر السكون، تاهت العيون بدوامةٍ من هلع، و الأنفاس المتسارعة تضفي مزيداً من التوتر. 
وداعاً يا فوعتي وداعاً يا حبيبتي ..  يا غصة العمر و وجع الروح. 
قطعنا أراضي الفوعة وبدأنا الدخول في تخوم لأراضي المسلحين الذين كانوا يقفون بانتظارنا وبأيديهم الحجارة ليرجمونا بها.


قصص أخرى للكاتب:

- عروسة التهجير

-  رحلة الموت

- مذكرات فتاة الحصار

- شمعة حزيران

- مذكرات ريم



 ولم يكتفوا بذلك .. بل كانوا يخرجون طعامهم  ويأكلوه أمام أطفالنا الجياع والمحرومين.  
وصلنا لمنطقة الراشدين في ريف حلب، احتجزونا في الباصات الخضراء ما يقارب ٣٨ ساعة، نال التعب من أجسادنا  والضيق والجوع والخوف أكل من قوتنا.. عندها بدؤوا بالسماح لنا بالنزول والجلوس قرب الحافلات. 
توازع الأهالي الزاد وقسموه على الأطفال إذ أن أجسادهم لن تحتمل الجوع أكثر.  
الساعة الرابعة عصراً تقريباً، كان الوداع الأخير ..
 جاءت سيارة تحمل أكياس من البطاطا "الشيبس"  ودخلت بين الحافلات  
ينادي شخصٌ بداخلها ليجمع حوله الأطفال، والتف الجياع حول السيارة يطالبون بكيس بطاطا يسكت أمعائهم الخاويّة ولربّما يتمردّون على زمن لا يعرف للطفولة حق. 
وعندما اجتمع أكبر عدد من الأطفال، في وقت لم يكفي ليبتلعوا لقمة واحدة مما نالوا.. صاحت السيارة وتشظّت لحمم من نار. 
تطايرت أجساد الأطفال هنا وهناك، الدماء والجثث المتفحمة تملأ الأرض والدخان الأسود يلفّ كل ما حولنا. 
كلٌّ يبحث عن فقيده.. لا المكان هو المكان ولا الأشخاص هم الأشخاص  
تصرخ أمٌّ ثكلى مضرّجة بدمائها.. أكتلة اللحم هذه هي طفلتي!؟ 
لااا .. أين طفلتي؟!  وتنادي.. وما من مجيب!!  
هرعت سيارات كثيرة لتنقذ من بقي من الأطفال و لتسعف الجرحى وتلّم الأشلاء المتطايرة عسى أن يلتّم شملُ الجسد .. 
ونسينا للحظة أننا في أرض الأعداء لكنهم لم ينسوا .. 
أخذوا الأطفال واختطفوهم .. منهم من أخذوه لتركيا ووضعوه في دور للأيتام. 
 ومنهم من بقي محتجزاً لديهم كرهائن، ومنهم لم يعرف مصيرهم حتى اللحظة. 
وطوى الزمن أسماءهم وعُلّقت صورهم بلا شريطة سوداء ..  
لاهم أحياء ولا هم أموات.. 
رحلة الموت يا رحلتنا..!! 
ارتقى أكثر من 120 شهيداً في التفجير، وعشرات من الجرحى والمفقودين. 
استشهدوا و أعينهم مفتوحة..  
مفتوحة على الحقيقة .. إننا المظلومون وهم القتلى والمجرمون  
استشهدوا وأفواههم مفتوحة .. لن تكتموا صوت الحق إننا الشهداء والغرباء 
والمهجرون.. 
ماتوا وأيدهم مفتوحة للسماء.. مازال دعاؤهم مستمراً .. ربنا انتقم لنا ممن ظلمنا وقتلنا

المقال محمية ضمن حقوق النشر 2021


المشاهدات 1563
تاريخ الإضافة 2021/04/15 - 9:27 PM
آخر تحديث 2021/11/28 - 11:50 AM
تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 470 الشهر 65535 الكلي 608701
الوقت الآن
الإثنين 2021/11/29 توقيت دمشق
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير